ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )

64

حجة الله البالغة

فتتمثل فِي نَفسه صُورَة المَال شَيْئا وَاحِدًا وتتمثل إحاطتها بِالنَّفسِ تطوقا وتأذي النَّفس بهَا بلسع الْحَيَّة الْبَالِغَة فِي السم أقْصَى الغايات ، وَالثَّانِي فِيمَا يغلب عَلَيْهِ حب الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير بِأَعْيَانِهَا ، ويتعانى فِي حفظهَا ، وتمتلئ قواه الفكرية بصورها فتمثل تِلْكَ الصُّورَة كَامِلَة تَامَّة مؤلمة . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " السخي قريب من الله قريب من الْجنَّة قريب من النَّاس بعيد من النَّار ، والبخيل بعيد من الله بعيد من الْجنَّة بعيد من النَّاس قريب من النَّار ، ولجاهل سخي أحب إِلَى الله من عَابِد بخيل " أَقُول : قربه من الله تَعَالَى كَونه مستعدا لمعرفته وكشف الْحجاب عَنهُ ، وقربه من الْجنَّة أَن يكون مستعدا بطرح الهيئات الخسيسة الَّتِي تنَافِي الملكية لتَكون البهيمية الحاملة لَهَا بلون الملكية ، وقربه من النَّاس أَن يحبوه ، وَلَا يناقشوه لِأَن أصل المناقشة هُوَ الشُّح ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِن الشُّح أهلك من كَانَ قبلكُمْ حملهمْ على أَن يسفكوا دِمَاءَهُمْ ويستحلوا مَحَارِمهمْ " وَإِنَّمَا كَانَ الْجَاهِل السخي أحب من العابد الْبَخِيل لِأَن الطبيعة إِذا سمحت بِشَيْء كَانَ أتم وأوفر مِمَّا يكون بالقسر . قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مثل الْبَخِيل والمتصدق كَمثل رجلَيْنِ عَلَيْهِمَا جنتان " الحَدِيث أَقُول : فِيهِ إِشَارَة إِلَى حَقِيقَة الْإِنْفَاق والإمساك وروحهما ، وَذَلِكَ أَن الْإِنْسَان إِذا أحاطت بِهِ مقتضيات الْإِنْفَاق ، وَأَرَادَ أَن يَفْعَله يحصل لَهُ _ وَإِن كَانَ سخي النَّفس سمحها - انْشِرَاح روحاني وصولة على المَال ، ويتمثل المَال بَين يَدَيْهِ حَقِيرًا ذليلا يكون نفضه عَنهُ هينا ، بل يستريح بذلك ، وَتلك الْخصْلَة هِيَ الْعُمْدَة فِي نفض النَّفس علاقاتها بالهيآت الخسيسة والبهيمية المنطبعة فِيهَا ، وَإِن كَانَ شحيحا غاصت نَفسه فِي حب المَال ، وتمثل بَين عَيْنَيْهِ حسنه ، وَملك قلبه فَلم يسْتَطع مِنْهُ محيصا ، وَتلك الْخصْلَة هِيَ الْعُمْدَة فِي لجاج النَّفس بالهيآت الدنية واشتباكها بهَا ، وَمن هَذَا التحقق يَنْبَغِي أَن تعلم معنى قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يدْخل الْجنَّة خب وَلَا بخيل وَلَا منان " . وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا يجْتَمع الشُّح وَالْإِيمَان فِي قلب عبد أبدا " وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " للجنة أَبْوَاب ثَمَانِيَة فَمن كَانَ من أهل الصَّلَاة " الحَدِيث .